محمد بن جرير الطبري

305

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ودل لفظ " بلى " عن الرجوع عن الجحد . قال : وأما السيئة التي ذكر الله في هذا المكان فإنها الشرك بالله . كما : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، قال : حدثني عاصم ، عن أبي وائل بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً قال : الشرك بالله . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً شركا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً قال : أما السيئة فالشرك . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً أما السيئة فهي الذنوب التي وعد عليها النار . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قلت ل‌عطاء : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً قال : الشرك قال ابن جريج ، قال : قال مجاهد : سَيِّئَةً شركا . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبي جعفر ، عن الربيع قوله : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً يعني الشرك . وإنما قلنا : إن السيئة التي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها وأحاطت به خطيئته فهو من أهل النار المخلدين فيها في هذا الموضع ، إنما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض ، وإن كان ظاهرها في التلاوة عاما ، لأَن الله قضى على أهلها بالخلود في النار ، والخلود في النار لأَهل الكفر بالله دون أهل الإِيمان به لتظاهر الأَخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإِيمان لا يخلدون فيها ، وأن الخلود في النار لأَهل الكفر بالله دون أهل الإِيمان به ؛ فإن الله جل ثناؤه قد قرن بقوله : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فكان معلوما بذلك أن الذين لهم الخلود في النار من أهل السيئات ، غير الذي لهم الخلود في الجنة من أهل الإِيمان . فإن ظن ظان أن الذين لهم الخلود في الجنة من الذين آمنوا هم الذين عملوا الصالحات دون الذين عملوا السيئات ، فإن في إخبار الله أنه مكفر باجتنابنا كبائر ما ننهى عنه سيئاتنا ، ومدخلنا المدخل الكريم ، ما ينبئ عن صحة ما قلنا في تأويل قوله : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً بأن ذلك على خاص من السيئات دون عامها . فإن قال لنا قائل : فإن الله جل ثناؤه إنما ضمن لنا تكفير سيئاتنا باجتنابنا كبائر ما ننهى عنه ، فما الدلالة على أن الكبائر غير داخلة في قوله : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ؟ قيل : لما صح من أن الصغائر غير داخلة فيه ، وأن المعنى بالآية خاص دون عام ، ثبت وصح أن القضاء والحكم بها غير جائز لأَحد على أحد إلا على من وقفه الله عليه بدلالة من خبر قاطع عذر من بلغه . وقد ثبت وصح أن الله تعالى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به ، بشهادة جميع الأَمة ، فوجب بذلك القضاء على أن أهل الشرك والكفر ممن عناه الله بالآية . فأما أهل الكبائر فإن الأَخبار القاطعة عذر من بلغته قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنيين بها ، فمن أنكر ذلك ممن دافع حجة الأَخبار المستفيضة والأَنباء المتظاهرة فاللازم له ترك قطع